كل من حولك يقول إن هذا أسعد وقت في حياتك. والعكس هو ما تشعرين به.
ربما هو ثقل لا يرحل. أو بكاء لا تعرفين له سبباً. أو بُعد غريب بينك وبين طفلك لا تستطيعين تفسيره ولا الجهر به. أو خوف مستمر لا يهدأ حتى حين يكون كل شيء على ما يرام ظاهرياً.
ما تصفينه له اسم. وهو أكثر شيوعاً بكثير مما يعرفه من حولك. ويستجيب للعلاج.
هذا المقال منشور بواسطة نفَس، منصة حجز مراكز العلاج النفسي المعتمدة في الأردن.
في الأيام الأولى بعد الولادة، تمر كثير من الأمهات بتقلبات مزاجية وبكاء وقلق وإرهاق. هذا مرتبط بالتغير الهرموني الحاد الذي يحدث بعد الوضع، ويختفي في العادة خلال أسبوع أو أسبوعين دون تدخل.
اكتئاب ما بعد الولادة شيء مختلف. هو أشد وأطول أمداً، ولا يزول بالراحة والوقت وحدهما. يمكن أن يبدأ في أي وقت خلال السنة الأولى بعد الولادة، وإن كان يظهر في الغالب خلال الأسابيع الأربعة إلى الستة الأولى. وعلى خلاف حزن الأيام الأولى، يحتاج إلى اهتمام.
تشير الأبحاث إلى أن ما بين 10 و20 بالمئة من الأمهات الجدد يمررن بهذه التجربة. وفي السياق العربي، رصدت دراسات عدة أرقاماً مشابهة أو أعلى، مع إشارات متكررة إلى أن اكتئاب ما بعد الولادة يبقى في الأردن دون تشخيص ودون علاج بشكل ملحوظ.
المسافة بين عدد الأمهات اللواتي يمررن به وعدد من يتلقين مساعدة واسعة. وأسباب هذه المسافة في السياق الأردني محددة وتستحق أن تُسمى.
الصورة المتخيلة عن اكتئاب ما بعد الولادة في أغلب الأحيان دراماتيكية: أم لا تستطيع النهوض من السرير وعاجزة بشكل واضح. هذا موجود لكنه يمثل الحالات الشديدة. معظم الأمهات اللواتي يعشن هذه التجربة يؤدين مهامهن. يعتنين بأطفالهن، ويديرن البيت، ويبدون بخير من الخارج. الصعوبة في الداخل، وهي في الغالب غير مرئية.
ما يبدو عليه يختلف من امرأة إلى أخرى. بعضهن يعشن انخفاضاً مستمراً في المزاج لا سبب واضحاً له ولا يرتفع. وبعضهن يشعرن بخدر عاطفي مرعب، كأن الإحساس بالقرب من الطفل أو من أشخاص أحبائهن غائب أو مكتوم. وبعضهن تكون تجربتهن قلقاً حاداً أكثر من حزن: قلق مستمر على صحة الطفل، وعجز عن الراحة حتى حين ينام، وإحساس بكارثة وشيكة لا يهدأ.
التهيج نمط شائع آخر، خاصة في السياقات العربية حيث التعبير الصريح عن الحزن أقل سهولة. الأم التي تجد نفسها سريعة الانفعال بشكل غير مألوف، مرهقة من أبسط المتطلبات، قصيرة الصبر بطريقة لا تشبهها، قد تكون تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة دون أن يُسمى ما تمر به بهذا الاسم.
وهناك الأفكار المتطفلة، وهي من أكثر جوانب اكتئاب ما بعد الولادة إرعاباً وأقلها حديثاً. أفكار غير مرغوب فيها ومزعجة عن احتمال تعرض الطفل للأذى، أو عن كونها أماً سيئة، تظهر عند نسبة من الأمهات المصابات. هذه الأفكار ليست رغبات ولا نوايا. هي أعراض، وتسبب خزياً هائلاً تحديداً لأن الأم التي تعيشها تحب طفلها بعمق وتجد هذه الأفكار مروعة. الإفصاح عنها لمتخصص هو من أهم ما يمكن أن تفعله.
السياق الثقافي حول الأمومة الجديدة في الأردن يخلق ظروفاً محددة تجعل اكتئاب ما بعد الولادة أصعب تعرفاً وأصعب جهراً.
توقع الفرح المرئي هو العامل الأكثر تأثيراً. في الثقافة الأردنية، قدوم المولود مناسبة جماعية. العائلة الممتدة والجيران والدائرة الاجتماعية حاضرون ومستثمرون. يُتوقع من الأم الجديدة أن تكون ممتنة ومتألقة ومكتملة. في هذه البيئة، الاعتراف بأن شيئاً ما ليس على ما يرام ليس صعباً شخصياً فحسب. يبدو كخيانة للمناسبة، وكجحود تجاه من يحتفلون معها، وكتشكيك ضمني في صلاحيتها كأم.
الحضور الكثيف للعائلة الممتدة الذي يُفترض أن يكون داعماً قد يصبح هو نفسه مصدر ضغط. أن تحاط الأم بأشخاص يراقبونها ويقدمون النصائح ويعلقون على حالها ويتوقعون منها مشاعر بعينها قد يجعل المرأة التي تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة تشعر بعزلة أعمق لا أخف.
وهناك بُعد ديني وأخلاقي يُعقد أحياناً مسألة طلب المساعدة. حين يُفسر انخفاض المزاج بعد الولادة على أنه نقص في الإيمان أو قصور في الشكر، يتضاعف الذنب فوق الاكتئاب بدلاً من أن يفتح باباً للخروج منه.
وهناك العائق العملي المتمثل في غياب اللغة لوصف ما يحدث. كثير من الأمهات اللواتي يمررن بهذه التجربة في الأردن لا يعرفن المصطلح. يعشن الأعراض، ويعزونها إلى التعب أو ضعف الشخصية، ويتلقين من العائلة طمأنة بأن الأمر سيمر، وينتظرن. أحياناً يمر. وفي أحيان كثيرة لا يمر، ويطول الانتظار.
لأن الثقل الثقافي حول هذا الموضوع حقيقي، يستحق الأمر أن نكون صريحات بشأن ما لا يعنيه.
لا يعني أنك لا تحبين طفلك. الانفصال الذي قد يخلقه اكتئاب ما بعد الولادة بين الأم وطفلها هو عرض لحالة قابلة للعلاج، وليس دليلاً على مشاعرها الحقيقية أو نوع الأم التي هي عليه. معظم الأمهات المصابات يحببن أطفالهن بعمق ويجدن الانفصال مرعباً تحديداً بسبب هذا الحب.
لا يعني أنك ضعيفة. اكتئاب ما بعد الولادة حالة سريرية لها مساهمات بيولوجية ونفسية واجتماعية. لا تنتجه قلة الإرادة، ولا نقص الإيمان، ولا قلة الامتنان.
لا يعني أنك ستبقين هكذا. اكتئاب ما بعد الولادة من أكثر حالات الصحة النفسية قابلية للعلاج. مع الدعم المناسب، تتعافى الغالبية العظمى من الأمهات تعافياً كاملاً.
ولا يعني أنك خطر على طفلك. الأفكار المتطفلة التي تعيشها بعض الأمهات ليست نوايا. إن كنت تمرين بهذه الأفكار، فالإفصاح عنها لمتخصص هو الخطوة الصحيحة، ولن يقابَل بحكم. سيقابَل بمساعدة.
العتبة عملية: إن كان انخفاض المزاج، أو القلق، أو الانفصال، أو أي من الأعراض المذكورة هنا، قد استمر لأكثر من أسبوعين بعد الولادة ويؤثر في طريقة أدائك لمهامك أو في كيف تشعرين، فهذا يكفي.
لا تحتاجين إلى أن تكوني في أزمة. لا تحتاجين إلى أشد الأعراض. لا تحتاجين إلى أن تكوني قد جربتن كل شيء آخر أولاً. اكتئاب ما بعد الولادة يستجيب للتدخل المبكر أفضل بكثير من الانتظار حتى يصبح مستحيل التجاهل.
وهناك ملاحظة عملية لمن حول الأمهات الجدد. إن كنت زوجاً أو أماً أو حماة أو أختاً وتلاحظ شيئاً لا يبدو على ما يرام، فملاحظتك تهم. الأمهات الأكثر احتمالاً لطلب المساعدة هن من يجدن شخصاً واحداً على الأقل في حياتهن يسمي ما يراه ويجعل الاستجابة بصدق آمنة. قول "لاحظت أنك تمرين بوقت صعب وأريد أن أساعدك في إيجاد دعم" ليس اتهاماً. هو في الغالب ما يصنع الفارق.
اكتئاب ما بعد الولادة يُعالَج، ويُعالَج بفاعلية.
العلاج النفسي هو خط العلاج الأول للحالات الخفيفة إلى المتوسطة، والأدلة الداعمة له قوية. العلاج المعرفي السلوكي يساعد على معالجة أنماط التفكير التي تُبقي الاكتئاب مستمراً، بما في ذلك المعتقدات النقدية الذاتية والتفكير الكارثي الشائعان بشكل خاص في حالات ما بعد الولادة. كما أن العلاج المتمحور حول العلاقات، الذي يركز تحديداً على التغيرات في العلاقات والأدوار المرافقة للأمومة الجديدة، مدعوم بأدلة جيدة لهذه الحالة.
للحالات المتوسطة إلى الشديدة، الأدوية التي يصفها طبيب نفسي كثيراً ما تكون جزءاً من الصورة. عدد من مضادات الاكتئاب تُعتبر متوافقة مع الرضاعة الطبيعية، ويستطيع الطبيب النفسي الإرشاد في هذا تحديداً. العلاج النفسي والأدوية معاً يعملان في الغالب أفضل من أي منهما وحده في الحالات الأشد.
ما لا يساعد، رغم أنه الأكثر تقديماً، هو الطمأنة وحدها. "ستتحسنين"، "هذا طبيعي"، "ركزي على النعمة"، "أنت بخير"، هذه ليست علاجاً. هي ردود قد تجعل الأم التي تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة تشعر بعزلة أعمق، لأن تجربتها تتناقض مع ما يُقال لها ولا تستطيع شرح السبب.
الجلسات الحضورية والإلكترونية متاحة في مراكز العلاج النفسي المعتمدة في عمّان. للأمهات الجدد، الجلسات الإلكترونية تُزيل العوائق العملية من ترتيب التنقل والرعاية أثناء الموعد، ويمكن أن تحدث من البيت خلال وقت نوم الطفل أو أي فترة خصوصية تتاح. في نفَس، كل مركز موثق ومرخص، والحجوزات مدفوعة مسبقاً عبر CliQ بكود مرجعي خاص، فلا غرفة انتظار ولا شيء يحتاج أن يُفسر لأحد في البيت.
إن كنت تمرين بشيء مما وصفه هذا المقال، فأنت تستحقين دعماً. ما تعيشينه حقيقي ومعترف به وقابل للعلاج.