هل سبق أن شعرت أن ردود أفعالك العاطفية أقوى مما تستطيع احتواءه؟ أن مشاعرك تشتعل بسرعة، وتستمر وقتاً أطول مما تتمنى، وتتركك منهكاً حين تهدأ؟ أو ربما لاحظت أن علاقاتك — سواء مع من تحبهم أو زملائك أو حتى مع نفسك — تمر بأنماط متكررة لا تستطيع تفسيرها ولا تغييرها رغم الرغبة الصادقة في ذلك.

إن كان شيء من هذا يصفك، فأنت لست الوحيد. وهناك أسلوب علاجي مدروس ومبني على أدلة علمية صُمِّم تحديداً لهذا النوع من المعاناة — يُعرف اختصاراً بـ DBT.

ما هو علاج DBT؟

DBT اختصار لـ Dialectical Behavior Therapy، أو ما يُترجم بالعربية إلى "العلاج السلوكي الجدلي". طوّرته عالمة النفس الأمريكية مارشا لينهان في أواخر السبعينيات لمساعدة الأشخاص الذين كانوا يعانون من مشاعر بالغة الحدة ولا يستجيبون للأساليب العلاجية المتاحة آنذاك.

ما ميّز هذا الأسلوب منذ البداية هو فكرة جوهرية بسيطة: يمكن لشيئين متناقضَين أن يكونا صحيحَين في آنٍ واحد. يمكنك أن تتقبّل نفسك كما أنت — بكل ما تحمله من ألم وتجارب وأنماط — وفي الوقت ذاته تعمل على التغيير.

القبول لا يعني الرضا بالوضع إلى الأبد، والتغيير لا يتطلب أن تُدين نفسك على ما أنت عليه اليوم. هذا التوازن — بين القبول والتغيير — هو روح علاج DBT.

على ماذا يركز علاج DBT؟

يُعلّم علاج DBT أربع مجموعات من المهارات العملية، كل منها يعالج جانباً مختلفاً من حياتك العاطفية وعلاقاتك. ليست هذه مجرد مفاهيم تُناقَش في الجلسات — بل أدوات تتعلمها وتمارسها وتُطبّقها في حياتك اليومية.

اليقظة الذهنية — أن تكون حاضراً دون أن تحكم على نفسك

اليقظة الذهنية كما تُقدَّم في DBT ليست تأملاً بالمعنى التقليدي. إنها القدرة على أن تلاحظ ما تشعر به وما يدور في ذهنك — في اللحظة نفسها — دون أن تنجرف معه أو تصدر حكماً فورياً على نفسك.

حين تتعلم أن تقول "أشعر بالغضب الآن" كملاحظة وليس كحكم، تفتح مساحة صغيرة بينك وبين ردّ فعلك.

تحمّل الضيق — اجتياز اللحظات الصعبة دون تفاقمها

ليس كل ألم يمكن إزالته، وليس كل موقف يمكن حلّه فوراً. مهارات تحمّل الضيق تساعدك على اجتياز اللحظات البالغة الصعوبة دون أن تلجأ إلى ما يُخفف الألم على المدى القصير لكنه يزيد الأمور تعقيداً على المدى البعيد.

الهدف ليس إسكات المشاعر، بل العبور منها بسلام.

تنظيم المشاعر — فهم ما تشعر به والتأثير فيه

هذا الجزء يمنحك خريطة لكيفية عمل المشاعر: ما الذي يُشعلها؟ ما الذي يجعلها تشتد أو تخفت؟ حين تفهم مشاعرك بهذا الوضوح، تصبح أقل حدة في تأثيرها — ليس لأنك كبتّها، بل لأنك لم تعد تجهلها.

الفاعلية في العلاقات — التعبير عن احتياجاتك مع المحافظة على ما يهمك

كثير منا يجد صعوبة في طلب ما يحتاجه، أو في قول "لا" دون أن يشعر بالذنب. هذه المهارات تعلّمك كيف تُعبّر عن نفسك بوضوح، وكيف تصون علاقاتك، وكيف تحافظ على احترامك لنفسك في المواقف التي تستنزفك عادةً.

من يستفيد من علاج DBT؟

طوّرت لينهان علاج DBT في الأصل للأشخاص الذين يعانون من اضطراب الشخصية الحدّية، وتشير الأبحاث إلى أنه لا يزال العلاج الأكثر فاعلية لهذه الحالة. لكن تطبيقاته اتسعت بشكل كبير.

تُظهر الأدلة العلمية فاعلية DBT في معالجة الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات الأكل، واضطرابات استخدام المواد، والسلوكيات المؤذية للذات.

والأهم: لا تحتاج إلى تشخيص رسمي لتستفيد من DBT. المشاعر الحادة ليست عيباً في الشخصية. إنها تجربة إنسانية يحتاج معها الإنسان أحياناً إلى أدوات مختلفة — لا إلى حكم إضافي.

كيف تسير جلسات DBT؟

للعلاج بأسلوب DBT هيكل محدد يُميّزه عن العلاج النفسي التقليدي. في البرنامج الكامل، يشمل العلاج عادةً جلسات فردية أسبوعية مع المعالج تستمر بين 45 و60 دقيقة، يعمل فيها الاثنان على ما يواجهه الشخص في حياته اليومية.

كثيراً ما يستخدم المعالج "بطاقة اليومية" — أداة يُسجّل فيها الشخص مشاعره ودوافعه ومهاراته التي استخدمها خلال الأسبوع.

في عمّان تحديداً، يتفاوت توفر برنامج DBT الكامل من مركز إلى آخر. من المفيد أن تسأل بشكل مباشر عند التواصل مع أي مركز عن توفر هذا الأسلوب.

كيف تجد معالجاً متخصصاً في DBT في عمّان؟

علاج DBT يتطلب تدريباً متخصصاً، والفرق يؤثر في جودة النتائج. حين تبحث عن معالج، لا تتردد في السؤال مباشرة: "هل أنت متدرب على DBT؟ وهل تُقدّمه ضمن جلساتك؟"

معالج جيد سيُجيبك بصراحة ووضوح.

إن كنت في عمّان وتبحث عن نقطة بداية، يُتيح لك نفَس التواصل مع مراكز علاجية موثوقة وحجز جلسة بالوتيرة التي تناسبك.